ابن أبي الحديد
105
شرح نهج البلاغة
ورابعها : قوله عليه السلام ( إن أمرنا هذا صعب مستصعب ) ويروى ( مستصعب - بكسر العين - لا يحتمله الا عبد امتحن الله تعالى قلبه للايمان ) ، هذه من ألفاظ القرآن العزيز ، قال الله تعالى ( أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى ) ( 1 ) وهو من قولك امتحن فلان لأمر كذا وجرب ودرب للنهوض به ، فهو مضطلع به غير وان عنه ، والمعنى انهم صبر على التقوى أقوياء على احتمال مشاقها ، ويجوز أن يكون وضع الامتحان موضع المعرفة ، لان تحققك الشئ إنما يكون باختباره كما يوضع الخبر موضع المعرفة ، فكأنه قيل : عرف الله قلوبهم للتقوى ، فتتعلق اللام بمحذوف ، أي كائنة له ، وهي اللام التي في قولك أنت لهذا الامر ، أي مختص به كقوله * أعداء من لليعملات على الوجا * . وتكون مع معمولها منصوبة على الحال ، ويجوز أن يكون المعنى ضرب الله قلوبهم بأنواع المحن والتكاليف الصعبة لأجل التقوى ، أي لتثبت فيظهر تقواها ، ويعلم انهم متقون ، لان حقيقة التقوى لا تعلم الا عند المحن والشدائد والاصطبار عليها . ويجوز أن يكون المعنى انه أخلص قلوبهم للتقوى ، من قولهم امتحن الذهب ، إذا أذابه فخلص إبريزه من خبثه ونقاه . وهذه الكلمة قد قالها عليه السلام مرارا ، ووقفت في بعض الكتب على خطبة من جملتها إن قريشا طلبت السعادة فشقيت ، وطلبت النجاة فهلكت ، وطلبت الهدى فضلت ، ألم يسمعوا ويحهم قوله تعالى ( والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم ) ( 2 ) فأين المعدل والمنزع عن ذرية الرسول ، الذين شيد الله بنيانهم فوق بنيانهم ، وأعلى رؤوسهم فوق رؤوسهم ، واختارهم عليهم الا إن الذرية أفنان انا شجرتها ، ودوحة انا ساقها ، وإني من احمد بمنزلة الضوء من الضوء ، كنا
--> ( 1 ) سورة الحجرات 3 . ( 2 ) سورة فاطر 21 .